««مولانا».. الفيلم المصري الذي أثار الجدل بشأن علاقة الدين بالدولة    |::|    وزير الخارجية الموريتاني :الاخلال باتفاق غامبيا قد يحولها إلى صومال جديدة    |::|    اتفاقية استيلاء بين "بي بي" و"كوسموس" في رخصتي التنقيب الموريتانية والسنغالية    |::|    من بنغازي إلى بانجول...    |::|    الصين تقول: لانحب زعامة العالم لكننا قد نضطر إلى ذلك    |::|    شبح جامح يؤخر وصول بارو..الجيش والمتمردون وحسابات أخرى    |::|    قاهر النهر.. دون كيشوت الغرب الإفريقي    |::|    علماء يقولون إن طهي البطاطا في درجات حرارة عالية قد يسبب السرطان    |::|    نواكشوط: اقتياد امرأة صفعت شرطيا مزق أوراقها    |::|    اختفاء 60 مليون من صندوق للحرس    |::|   

من مذكرات وزير لم يكتب له التعيين .. حلقة جديدة

أحمد فال محمدآبه‏ (من صفحة الكاتب على الفيسبوك)
الأربعاء 11-01-2017| 13:10


يوم في القصر (19)

انطلقنا من أمام مكتب معالي الوزير الأول عند تمام الساعة الثانية والنصف بعد الظهر.. كانت السماء قد كفكفت للتو آخر دموعها وأقلعت، فيما الأرض لا تزال حائرة وتحاول جاهدة أن تستوعب "الرسالة" رغم عجزها الواضح، وأصحاب السيارات يصبون اللعنات على الحكومة، والبلدية.. وعلى أغسطس و سبتمبر.
بدت لي نواكشوط مدينة بائسة، خصوصا بعد أن جرفت مياه الأمطار في طريقها ما قدرت على حمله من القمامة ، وجمعته في مكان واحد.. الروائح الكريهة تزكم الأنوف، والمياه القذرة تسد الطرق.. وبين الفينة والأخرى كانت تمر عربة يجرها حمار "شاريت" مسرعة ، فيتطاير الماء على السيارات والمارة، دون أن يكترث صاحب العربة لذلك، بل يبدو مرتاحا وهو يدخن سيجارته، و يلوح بعصاه في الهواء.
تجاهلت كل ما يدور حولي في الشوارع، فأنا معتاد عليه، وفتحت نسخة من ميزانية الوزارة، كان معالي الوزير الأول قد أعطاني إياها لمراجعتها قبل عرضها على مجلس الوزراء، الذي سيجتمع بعد يومين، على اعتبار أنني سأحضره.
كانت ميزانية الوزارة تبلغ مليارا و479 مليون أوقية، وبعض "الدكديك" لا أذكر قدره الآن بدقة، وقد تم تقسيمها إلى عدة بنود، استأثر بند "الرواتب والعلاوات" بنصيب الأسد منها.. كنت أقرأ في صمت.. الوزارة هي وزارة "التنمية الريفية والبيطرة"، ومن الطبيعي أن تنصب كل جهودها على تنمية الثروة الحيوانية ، وتشجيع المزارعين ودعمهم، لكن هذا للأسف ليس ما اطلعت عليه في تلك النسخة من الميزانية.. لقد كانت تضم بنودا لم أجد لها مبررا، منها مثلا تخصيص نسبة 15 % لـ "حماية بوفرططه والظبوبه ولعرارمه و الظربانه.. من الانقراض"، و 10 % لإجراء أبحاث علمية حول تحسين الرؤية الليلية لـ "الحمير"، و تعزيز قدرات "الديوك" في تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر داخل المدن، و 5% لحماية "القطط السائبة" من اضطهاد الأطفال.. و 1% لعلاج أمراض "بو دميعه ولكويد" وغيرهما من الأمراض الانتقالية في البقر والإبل والضأن والماعز..!! كما تم تخصيص 7% من الميزانية لاستصلاح الأراضي الزراعية وتشجيع الزراعة تحت النخيل في كل من انبيكت لحواش و الشامي و ترمسه، وحماية وتطوير السدود في نواذيبو وبو تلميت و "بورات"..
شعرت بالاشمئزاز وأنا أقرأ الميزانية، فاتصلت بمعالي الوزير الأول لاستفساره حول بعض البنود.
جاءني صوته باردا ومبحوحا.. يبدو أنه استنشق بعض الروائح التي تصدرها الشوارع حاليا، لكنني تجاهلت وضعه، وبدون مقدمات سألته: ما هذه البنود الغريبة العجيبة التي تضمها ميزانية الوزارة ؟.. رد علي قائلا: "لا بد من حماية حقوق الحيوانات ، وإلا أثرنا غضب المنظمات الدولية.. البقر والإبل وغيرهما من الحيوانات الأليفة أملاك خاصة، يستطيع أصحابها تدبر أمرها، أما /ذوك امخاليق مولانا الثانيين/ فلا بد من أن تتدخل الدولة لحمايتهم..".. فقلت : وهل تتوقع أن يجيز البرلمان هذه الميزانية دون مشاكل ؟ فأجاب، وقد أحسست من خلال نبرته أنه يبتسم: لا تخش شيئا، فالبرلمان " ما قال لا قط إلا في تشهده"، مع أن بعض أعضائه صلاتهم سريعة وقد لا يقرأون التشهد أصلا.. ثم ودعني وقطع الاتصال..
دخلنا إلى القصر الرئاسي ، ودلفت مباشرة إلى مكتب فخامة رئيس الجمهورية.. وجدته يطوي سجادته.. يبدو أنه كان يتنفل ، فصافحني قائلا : "أنت امنين مريت؟ أنا احصرني عنك هذا المرابط يخوي".. فأطلعته على ما أراد من أخباري، ثم جلس وأشار إلي بالجلوس ، ففعلت.. كانت الساعة تشير إلى الثالثة إلا عشر دقائق، وقد بدأت أمعائي تضطرب قليلا، ربما نفد مخزونها، لكنني تحاملت عليها، في انتظار انتهاء أهم مقابلة في حياتي إلى الآن، ولسان حالي :
ولقد أبيت على الطوى وأظله = = حتى أنال به كريم "المنصب"
أشار فخامة الرئيس إلى بطاقة تعريفي الموضوعة على المكتب، قائلا "أكبظ كردانديتك"، لقد صورنا نسخة منها وأعطيناها للحرس حتى تتمكن من الدخول في أي وقت.. ثم قال : "يمكنك العودة الآن إلى المنزل، وغدا يوم جديد".. فقلت : "إلى اللقاء".. ثم خرجت.. وعند الباب تذكرت أمرا مهما، فعدت إلى صاحب الفخامة ، وقلت له : الجو بديع هذا المساء يا صاحب الفخامة.. حبذا لو خرجتم في نزهة إلى "شارع عزيز"، أقصد شارعكم، أو "صكوكو" لتستمتعوا بالمناظر الخلابة لمدينة نواكشوط وضواحيها.. فقال لي : "أفعل إن شاء الله".. و ما قصدت بذلك إلا أن يطلع فخامته على حالة الشوارع في ذلك المساء الممطر.. وليتني لم أفعل..

جديد الأخبار :

عودة للصفحة الرئيسية
 
? جميع الحقوق محفوظة - شروط استخدام الموقع